أحمد بن محمد القسطلاني

408

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أن يكون على تقدير مضاف محذوف أي خير نساء زمانها مريم فيعود الضمير على مريم ، وإنما جاز أن يرجع الضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر لأنه يفسره الحال والمشاهدة . وقد رواه النسائي من حديث ابن عباس بلفظ : أفضل نساء أهل الجنة ، وحينئذٍ فالمعنى خير نساء أهل الجنة مريم ، وفي رواية خير نساء العالمين وهو كقوله تعالى : { واصطفاك على نساء العالمين } [ آل عمران : 42 ] وظاهره : أنها أفضل من جميع النساء ، وقول من قال على عالمي زمانها ترك للظاهر . قال القرطبي : خص الله تعالى مريم بما لم يؤته أحدًا من النساء ، وذلك أن روح القدس كلمها وطهرها ونفخ في درعها ، وليس هذا لأحد من النساء وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا عليه الصلاة والسلام عن الآية ، ولذلك سماها الله تعالى صديقة فقال : { وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين } [ التحريم : 12 ] فشهد لها بالصديقية والتصديق والقنوت ، ويحتمل أن يكون المراد كما قال الكرماني نساء بني إسرائيل أو من فيه مضمرة كما قال القاضي عياض : ( وخير نسائها ) أي هذه الأمة ( خديجة ) أم المؤمنين . وهذا الحديث أخرجه أيضًا في فضل خديجة ومسلم في الفضائل والترمذي والنسائي في المناقب . 46 - باب قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ } - إِلَى قَوْلِهِ - { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران : 45 - 48 ] . { يُبَشِّرُكِ } : وَيَبْشُرُكِ وَاحِدٌ . { وَجِيهًا } : شَرِيفًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَسِيحُ : الصِّدِّيقُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْكَهْلُ : الْحَلِيمُ . وَالأَكْمَهُ : مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلاَ يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ يُولَدُ أَعْمَى . ( باب قول الله تعالى ) : سقط التبويب لأبي ذر فقول رفع وهو واضح ( { إذ قالت الملائكة } ) جبريل { يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه } [ آل عمران : 45 ] هو عيسى لوجوده بها وهو قول كن فهو من باب إطلاق السبب على المسبب { اسمه المسيح } مبتدأ أو خبر { عيسى } بدل أو عطف بيان { ابن مريم } صفة لعيسى على أن عيسى خبر مبتدأ محذوف ، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهًا على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب ( إلى قوله ) تعالى : { كن فيكون } عقب الأمر من غير مهلة ، وثبت قولها { إن الله يبشرك } إلى آخر ( فيكون ) لأبي ذر ، وقال غيره بعد ( { يا مريم } ) إلى قوله ( { فإنما يقول له كن فيكون } ) [ مريم : 35 ] ( { يبشرك } ) مشددة ( وبشرك ) مخففة ( واحد ) في المعنى والثاني قراءة حمزة والكسائي والآخر قراءة الباقين . ( { وجيهًا } ) أي ( شريفًا ) في الدنيا بالنبوة وفي الآخرة بالشفاعة . ( وقال إبراهيم ) النخعي فيما وصله سفيان الثوري في تفسيره : ( المسيح الصدّيق ) بكسر الصاد والدال المهملتين المشددتين ، وقال غيره هو فعيل بمعنى فاعل فحوّل مبالغة فقيل لأنه يمسح الأرض بالسياحة أي يقطعها ، وقيل لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ ، وقيل بمعنى مفعول لأنه مسح بالبركة واللام فيه للغلبة . ( وقال مجاهد ) فيما وصله الفريابي ( الكهل ) في قوله تعالى { ويكلم الناس في المهد وكهلاً } [ آل عمران : 46 ] هو ( الحليم ) باللام وهذا فيه شيء ، فقد قال أبو جعفر النحاس : إنه لا يعرف في اللغة . وقال في اللباب : الكهل من بلغ سن الكهولة ، وأوّلها ثلاثون أو اثنتان وثلاثون أو ثلاث وثلاثون أو أربعون وآخرها خمسون أو ستون ، ثم يدخل في سن الشيخوخة ، فلعل مجاهدًا فسّره بلازمه الغالب لأن الكهل غالبًا يكون فيه وقار وسكينة ، وهل كهلاً نسق على وجيهًا أو حال من الضمير في يكلم أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت ؟ قال في الفتح : وعلى الأول يتجه تفسير مجاهد . ( والأكمه ) في قوله { وأبرئ الأكمه } [ آل عمران : 49 ] ( من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي وهو قول شاذ ، والمعروف أن ذلك هو الأعشى . ( وقال غيره ) : غير مجاهد الأكمه ( من يولد أعمى ) وهذا قول الجمهور ، وقال ابن عباس : من ولد مطموس العين ، وقال عكرمة : الأعمش . 3433 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ : « قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ » . وبه قال : ( حدّثنا آدم ) بن أبي إياس قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن عمرو بن مرة ) المرادي الأعمى أنه ( قال : سمعت مرة ) بن شراحيل ( الهمداني ) بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة الكوفي ( يحدث عن أبي موسى ) عبد الله بن قيس ( الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( فضل عائشة ) بنت الصديق ( على النساء ) أي نساء هذه الأمة ( كفضل الثريد ) بالمثلثة ( على سائر الطعام ) لأنه أفضل طعام العرب لنفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ